أبي طالب المكي

117

علم القلوب

ونفى العلة والمعلول بقوله : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [ الإخلاص : 3 ] ، ونفى الأشكال والأضداد بقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] . وقيل : إن رجلا من أهل المعرفة قام ليلة إلى ورده ، فلما قرأ وتلفظ ب هُوَ ، بقي يقول : هُوَ هُوَ هُوَ ، حتى طلوع الفجر ، فلم يقدر أن يجاوزها ، غرق سره في ميدان ألوهيته ، فلم يبق في نفسه لنفسه بقية . وقيل : الصَّمَدُ الذي لا يستغنى عنه شيئا من الأشياء ، ألا ترى إلى قوله : يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، فلم يبق خلق من خلقه إلا طائف على بابه ، طالب لنواله ، فمن استغنى عنه بنفسه أو بماله ، أو رآى أحدا من خلقه ، فذاك الشقي الخاسر ، والمحرم البائر . وقال بعضهم : إلهي ، كل الناس يريدونك ، فياليت شعري ، من الذي تريده ، وكل الناس يطلبونك ، فياليت شعري ، من الذي تطلبه أنت ؟ وكل الناس يطلبون محبتك ، فياليت شعري ، من الذي أنت تحبه ؟ إلهي ، كل الناس يذكرونك ، فياليت شعري ، من الذي تذكره أنت ؟ كل الناس يتقربون إليك ، فياليت شعري ، من الذي تقربه أنت ؟ « 1 » . الآية الثالثة يقال : إن رجلا جاء إلى أبى بكر الشبلي ، فقال له : دلني على معرفة الجليل ، كيف ينبغي الدخول فيها « 2 » ؟ وبماذا ينال ذلك ؟ وكان الرجل ذا معرفة بعلم الظاهر ، فقال الشبلي : يا [ رجل ] ، هكذا جئت تستدل على معرفة الجليل ، فهل عرفت [ على ] نفسك الدليل ؟ مماذا خلقت ؟ ومتى خلقت ؟ وفيما ذا خلقت ؟ وبماذا خلقت ؟ وكيف ولماذا خلقت ؟ فإذا أجبتني عن هذا أجبتك عما سألت ، وإلا فأنت إلى معرفة

--> ( 1 ) هذه المناجاة وأمثالها لون من الأدب الصوفي الرفيع ، فهي تكاد تكون شعرا منثورا ، ولا يخفى ما في خلجاتها من الهيمنة على المثل العليا للحياة الروحية ، والأدب الصوفي كله ينزع نحو التسامى عن المظاهر ، والنظر إليها على أنها شئ لازم في الوجود ، والنظر إلى الناس نظرة إخوة ، وإشفاق من هذه المظاهر ، وعدم احتقار أي إنسان ؛ لأننا كنا جهلة بالأمس ، وكل الناس يسيرون على الطريق ، ولكن منهم المتخلف ، ومنهم المتقدم ، فخذ بيد أخيك ولا تحقره . هذا تلخيص مذاهب الأدب الصوفي في إيجاز ، والأوارد الصوفية جديرة بالبحث مع غيرها من ألوان المناجاة . ( 2 ) في الأصل : فيه .